محمد متولي الشعراوي
709
تفسير الشعراوي
شخص أبلغ من نفى التعقل ؛ لأن معنى « لا يعلم » أي أنه ليس لديه شئ من علم غيره أو علمه . وعندما يقول الحق سبحانه : « لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً » فمعنى ذلك أنه من المحتمل أن يعلموا ، لكن عندما يقول : « لا يَعْلَمُونَ » فمعناه أنهم لا يعقلون ولا يعلمون ، وهذا يناسب ردهم . فعند ما قالوا : « بَلْ نَتَّبِعُ » فكان وصفهم ب « لا يَعْقِلُونَ » . وعندما قالوا : « حَسْبُنا » وصفهم بأنهم « لا يَعْلَمُونَ » كالحيوانات تماما . نخلص مما سبق أن هناك ثلاث ملحوظات على الآيتين : في الآية الأولى قال : « اتَّبِعُوا » ، وكان الرد منهم « نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا » والرد على الرد « أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً » . وفي الآية الثانية قال : « تَعالَوْا » ، وكان الرد منهم « حَسْبُنا » ، فكان الرد عليهم « أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً » . وهكذا نرى أن كلا من الآيتين منسجمة ، ولا يقولن أحد : إن آية جاءت بأسلوب ، والأخرى بأسلوب آخر ، فكلّ آية جاءت على أسلوبها يتطلبها فهي الأبلغ ، فكل آية في القرآن منسجمة كلماتها مع جملها ومع سياقها . وقوله تعالى : « وَإِذا قِيلَ لَهُمُ » مبنية للمفعول ليتضمن كل قول جاء على لسان أي رسول من اللّه من بدء الرسالات ، فهي ليست قضية اليوم فقط إنما هي قضية قيلت من قبل ذلك . إن المعنى هو : إذا قيل لهم من أي رسول ، اتبعوا ما أنزل اللّه قالوا : « بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ » . ويختم الحق الآية في سورة البقرة بقوله : « وَلا يَهْتَدُونَ » . وكذلك كان ختام آية المائدة : « وَلا يَهْتَدُونَ » ؛ لنعلم أن هدى السماء لا يختلف بين عقل وعلم ، فالأولى جاءت بعد قوله تعالى : « أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ » والثانية جاءت في ختام قوله تعالى : « أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ » وذلك للدلالة على أن هدى السماء لا يختلف بين من يعقلون ومن يعلمون .